وُلد إبراهيم بجوار مقابر المبرز فى الزقازيق ، فى شارع يزدحم بالعفاريت ؛ عفاريت الشوارع لا الأشباح ؛ تلك التى تلهو على الأرصفة ، وتراوغ السيارات المتهالكة ، وتلعن الحياة كما تلعنها كل الأرواح التائهة .
كبر هناك ، فى البيت الخامس قبل فرن خميس ، حيث كانت رائحة الخبز الساخن تختلط برائحة التراب الرطب للمقابر ، وكأن الموت والحياة يتجاوران بلا اكتراث .
فى ليلة تشبه حكايات جدته ، حيث الريح تعوى وكأنها تسرق أصوات الموتى ، جلس إبراهيم خلف النافذة ، ينظر إلى العالم من إطار ضيق ، ضيقٌ كالتابوت ، لكنه لم يكن يعلم أنه معدٌّ لحمل كل هذا الحزن القابع فى تلك اللوحة العملاقة التى تعلو الشارع ، لوحةٌ صرخ فيها خطيبٌ مجهول : “تب إلى الله !” وكأنها تصرخ فيه هو ، وحده ، دون غيره .
كان إبراهيم يرى الحياة على وجه المقابر ، يسمع ضحكات أطفال الحى وهى تتلاشى عند بوابات القبور ، وكان يشعر أن شيئًا ما يسكن قلبه منذ ولد ، حزنٌ لم يكن يعرف مصدره . في الليل ، حين يهدأ كل شيء ، كان يسمع نحيبًا خفيًا لا يدرى إن كان من داخله أم من تحت التراب .
كبر إبراهيم ، وكبر معه حزنه . صار يجوب شوارع الزقازيق القديمة ، يلتقط من جدرانها المتشققة قصصًا ، ومن أزقتها الضيقة أبياتًا من الشعر ، ومن نظرات العابرين شجنًا لا يزول . لم يكن شاعرًا بالمعنى التقليدي ، لكنه كان يكتب وكأنه ينقش على قلبه ، وكأن كلماته هى السبيل الوحيد ليشرح للعالم ما لم يستطع أحد فهمه عنه .
كان يحمل في قلبه حزنًا شفيقا ، كضوء مصباح خافت فى زقاق معتم ، لكنه أيضًا حمل بين ضلوعه رومانسية نادرة ، حبًا للعالم رغم قسوته ، عشقًا للحياة رغم جراحها . فى قصائده ، كان الموت والحب يسيران جنبًا إلى جنب ، تمامًا كما سار هو فى صباه بين المقابر والمنازل .
كتب عن الفقراء ، عن الأحلام التي تولد وتموت فى الأزقة ، عن الحب الذي ينمو في الظل ولا يصل إلى النور ، عن الوحدة التى تبتلع الأرواح فى المدن الصغيرة . وحين كان يقرأ شعره ، كان صوته يحمل نفس النغمة التي سمعها أول مرة فى صغره … نغمة النحيب المختلط بالريح .
أحب إبراهيم العالم رغم كل شيء . أحب المدينة التي ضاقت به ، أحب العيون التي قرأت كلماته ، وأحب حتى الحزن الذي لم يفارقه يومًا . لم يكن شاعرًا عاديًا … كان شاعرًا وُلد بجوار الموت ، فعرف معنى الحياة أكثر من أي أحد آخر .
قد يهمك: